الشيخ محمد علي طه الدرة
543
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
ذكرت ، ألا ترى : أنّ أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه كن يتكلّفن الطّحين ، والخبيز ، والطبيخ ، وفرش الفراش ، وتقريب الطعام ، وأشباه ذلك ، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك ، ولا يسوغ لها الامتناع ، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصّرن في ذلك ، وقول فاطمة الزهراء - رضي اللّه عنها - : « طحنت حتّى مجلت يداي » مشهور . والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم اعتبرها مجاهدة ؛ إذا قامت بشؤون بيتها ، وتربية أولادها ، فالمغزل في يدها كالسّيف في يد زوجها ، وخذ ما يلي : عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : جاءت امرأة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت : يا رسول اللّه ! إنّي وافدة النساء إليك ؛ هذا الجهاد كتبه اللّه على الرّجال ، فإن يصيبوا ؛ أجروا ، وإن قتلوا ؛ كانوا أحياء عند ربهم يرزقون ، ونحن معشر النساء نقوم عليهم ، فما لنا من ذلك ؟ . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أبلغي من لقيت من النّساء : أنّ طاعة الزّوج ، واعترافا بحقّه يعدل ذلك ، وقليل منكنّ يفعله » . رواه الطّبرانيّ ، والبزار . بعد هذا أذكر : أنّ تزوج المرأة بالزّوج الثاني لا بدّ من الدّخول فيها على مذهب الجمهور ، وأنّه لا يكفي العقد عليها ؛ لما روى البخاريّ ، ومسلم عن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : جاءت امرأة رفاعة القرظي ، واسمها تميمة ، وقيل : عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظي ، وكانت عند ابن عمها رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي ، فطلقها ثلاثا ، وتزوجت غيره ، فجاءت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقالت : يا رسول اللّه كنت عند رفاعة ، فطلقني ، فبتّ طلاقي ، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزّبير - بفتح الزاي المشددة - وإنما معه مثل هدبة الثّوب ، فتبسّم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال : « أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ » قالت : نعم . قال : « لا ؛ حتّى يذوق عسيلتك ، وتذوقي عسيلته » وأبو بكر جالس . فإذا علم الزّوج من نفسه : أنّه لا يقدر أن يقوم بحقوق الزوجة المادية ، والمعنوية ؛ فلا يحل له الإقدام على خطبة أنثى ، والعقد عليها ؛ حتّى يبيّن لها ، وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج ، أو كان بها علّة تمنع الاستمتاع بها ، ومتى وجد أحد الزوجين بصاحبه عيبا ؛ فله الردّ ، فإن كان العيب بالرّجل ؛ فلها الصداق إن كان دخل بها ، وإن لم يدخل بها ؛ فلها نصفه ، وإن كان العيب بالمرأة ؛ ردّها الزوج ، وأخذ ما أعطاها من الصّداق ، فقد روي : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تزوج امرأة من بني بياضة ، فوجد بكشحها برصا ، فردّها ، وقال : « دلّستم عليّ » . ومن المنصوص عليه في الفقه من العيوب : الجنون ، والجذام ، والبرص ، والرّتق ، والقرن ، وأذكر من العيوب هنا : أنه إذا تزوجها بكرا ، فوجدها ثيبا ، أو كانت لا تأتيها العادة الشّهرية منتظمة - وهذا قد يمنع الحمل - ففي هاتين الحالتين إن وطئها تكن الحقوق بالمصالحة ، والتّسامح . واللّه أعلم . هذا ؛ والحكمة من تزوّج المرأة بالزّوج الثاني الزّجر ، والرّدع عن التّسرّع إلى الطلاق ، والنفور منه ، ومن العود إلى المرأة المطلقة ثلاثا ، والرغبة فيها . والنكاح بشرط التحليل فاسد